المفتي آية الله السيد حسين الحسيني
وقد كتب لي ذات يوم يقول: إن ندوة الجمعية قد ماتت… ومنها أن قراءة الشعر والتقفية أصيبت بنكسة فقد كنا في مجلس بدار بيروت وعند السيد محمود صفي الدين ـ يقول السيد علي ـ وقرأت لهم قصيدة (دالية) بقصد التقفية فكانت قافية الشيخ حسين الخطيب التي قفى بها القصيدة الدالية هي قوله (الصدر) وان قافية السيد نور الدين شرف الدين كانت : (يَلطُم) وقافية السيد حسين المفتي كانت : (غشمشمُ) في حين أن القافية كانت (دالية) فأعرف ـ كما يقول السيد علي إبراهيم ـ كيف انتهى الأمر بهذه الجماعة، ثم يصف لي اجتماعهم هذا (بدار بيروت) وكيف جرت هذه التقفية.
ويعلق الشيخ حسين الخطيب والسيد حسين الحسيني على هذه الرسالة بحاشية ينفيان فيها قول السيد علي إبراهيم ، وكان مضمون تعليقهما واحداً وهي نفي الصدق بالمرة في أقوال السيد علي إبراهيم، واذا بالرسالة أشبه بالكتب الصفراء القديمة التي تحوطها الحواشي والتعليقات من كل جانب، وقد وجد السيد علي إبراهيم نفسه مغلوباً فوقف على رأس الشاعر الأديب خليل الهنداوي مهدداً وطلب منه أن يؤيد أقواله وينفي قول الخطيب والحسيني فكتب الهنداوي هذه الحاشية على تلك الرسالة قائلاً:
"أمرت بأن أكون ـ هنا ـ كأنني غير كائن … لذلك فإني أصادق ـ بدافع النية الطيبة ـ على كل ما ورد في رسالة السيد علي إبراهيم ، وإن لم يكن معقولاً ولا مقبولاً مع رفع الدعوى إليك لتحكم لي أو تحكم علي".
وقد أجبت الأستاذ خليل الهنداوي بأرجوزة وطالما استعملت الأراجيز لسهولتها وسرعة نظمها وانتهيت منها بتحويل الأمر إلى الشيخ محمد زغيب، وكان يومذاك قاضياً، وذلك لما أعرف له من عضلات مفتولة سبق أن رأى السيد إبراهيم منها الويل، حتى لقد قيل إن الشيخ زغيب قد كسر للسيد علي إبراهيم ضلعاً والعهدة على الرواة .
أما الأرجوزة التي بعثت بها للشاعر خليل الهنداوي فهي:
حكّمني صديقي الهنداوي نزّهه الله من المساوي
يطلب منّي أن أقول فيه ما أنا أدريه وأرتئيه
وهو بمجلس من الأحباب نشوته بالشعر لا الشراب
ما فيه غير العالم الأديب كشيخنا المبرّز (الخطيب)
والسيد (المفتي) رعاه الله من تضرب الأمثال في فتواه
والمستشار الفاضل الرصين أعني به السيد نور الدين
والشاعر المشاغب الحبيب ذاك الذي سكناه في القلوب
ليس به عيب سوى المزاح يهئي الكباش للنطاح
ويعتدي على حقوق العلما ويفتري عليهم متّهماً
وهو يريد أن يكون مزحه جداً، كما يأتيك مني شرحه
يقول: في يوم من الأيام دعا جماعة من الأعلام
مقترحاً بأن يقفّوا الشعرا وأن يخوضوا النظم بحراً بحراً
حتى أتوا (لدار بيروت) ضحى يمشون صفاً في وقار مرحا
وسلّ من رفٍّ بها عريضٍ ديوان شعر محكم القريض
وقال هذا الشاعر المولّع: بالافتراء: قلت للقوم: اسمعوا
ورحت أجلو صوتي الرخيما أنغّم الشعر به تنغيما
أتلو لهم قصيدة (داليّة) كالراء قيل إنها مطية
وقلت للشيخ العظيم القدر: قَفِّ، فقفّى (دالها) بالصدر
وقلت للآخر يا من يفهم قَفِّ ، فقفّى (دالها) بيلطم
وقلت للثالث أنت الأعلم قَفِّ ، فقال : إنها غشمشم
فصحت من أعماق قلبي الدنف وأضيعة العلم بأرض النجف
يا ضيعة الفن وضيعة الأدب وضيعة الجهد وضيعة التعب
فإن يكن ما كان من مئآله صلّوا على محمد وآله
ولنقرأ الفاتحة المألوفة ولننعَ في (الغريّ) نحو الكوفة
***
وكان من حضار ذاك النادي الشاعر المعروف في البلاد
أعني به صديقنا الهنداوي الصابر المهضوم في (الدعاوي)
قال له شاعرنا المشاغب إشهد : بأني صادق لا كاذب
فأيد (الخليل) قول الرجل بدافع الخوف وداعي الوجل
وجاءني يسألني ما حكم من ؟ بدافع الخوف يؤيّد الفتن ؟
فقلت هذا الحكم دون ريب من اختصاص شيخنا (زغيب)
***
واشتدت أواصر الصداقة بيني وبين هذا المثلث وحاشيته ممن كنت أعرف بعضهم يوم كانوا يطلبون العلم في النجف وممن لم يسبق لي التعرّف بهم من قبل،وصرت لا أفارق مجالسهم وعلى الأخص بيت الشيخ حسين الخطيب، وبيت السيد حسين الحسيني، وبيت السيد نور الدين، بالإضافة إلى مقر جمعية (الهداية والإرشاد)، وإن تخلفت مرة قصدني هؤلاء الثلاثة بسوق الغرب حيث أقضي فصل الصيف هناك بفندق فاروق ، وإلى جوار صديقي الدكتور أمين زهر، فكانت الأوقات التي تمر عليّ بينهم من أسعد ما مرّت عليّ في حياتي، إذ كانت نسخة طبق الأصل من مجالس النجف، بل كثيراً ما كانت تمتاز على بعض مجالس النجف بما كان يسود هؤلاء الثلاثة من إخاء، وصداقة، يعجز عن وصف عمقها الكاتب، واذا ما انتهى عملي في الصيف وتم طبع جزء أو جزئين من موسوعة العتبات وعدت إلى بغداد اعتضت عن تلك اللذائذ الروحية برسائلهم التي كان يتجلى فيها بل وفي كل سطر منها إخاؤهم، وتفاني بعضهم في بعض، مما قد يفوق المألوف.
والسيد حسين الحسيني يمتاز بشيء كثير من طهارة النفس والقدسية التي تجتذب بها النفوس، وقد صحبته مرة لنشتري آنية خاصة، طُلب مني أن أبحث عنها في بيروت وأشتريها، وفي نتيجة المساومة بدا على البائع شيء كثير من روح التساهل حتى لقد أخرج لي دفتر مبيعاته وأراني الفرق في ثمن هذه لآنية التي بيعت لغيري بأغلى مما بيعت لي، وسألت البائع : ولكن ما الذي دفعك بأن تخصّني بهذا اللطف وأنا غريب كما يستبان ذلك من لهجتي ؟
أمان




