المفتي آية الله السيد حسين الحسيني
وفي أوائل الثلاثينات استجاب السيد حسين دعوة بلده وسافر إلى لبنان ليتولى هناك الإرشاد الديني وقد زوّد من قبل علماء النجف بشهادة الجدارة الروحية والعلمية لتولي وظيفة الإرشاد الديني وحل المشكلات الخاصة بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووقف وغير الشخصية.
وفي لبنان طغى عليه لقب أسرته المعروفة ولم يعد أحد يدعوه بالبعلبكي وإنما صار يدعى بالسيد حسين الحسيني، وكانت النجف قد عقدت بين الحسيني وبين بعض اللبنانيين والعامليين من طلاب العلم صلات صداقة وثيقة، وحين تم لبعض هؤلاء الأصدقاء العودة إلى لبنان لتولي وظيفة الإرشاد الديني في بلدانهم ازدادت هذه الصداقة في لبنان وثوقاً ، واشتدت أواصرها أكثر مما كانت عليه في النجف، خصوصاً بعد أن دخل قسم من هؤلاء الأصدقاء المحاكم الشرعية، قضاة، ومستشارين، ومفتين، ومدرسين، وكان السيد حسين الحسيني أحد الداخلين في زمرة القضاء الشرعي وتعيينه مفتياً للقضاء الشرعي الجعفري ببيروت ثم ما لبث حتى صار مفتياً ممتازاً.
وتوثقت هذه الصداقة أكثر ما توثقت بين السيد حسين والشيخ حسين الخطيب خصوصاً بعد تولي الخطيب رياسة المحاكم الشرعية، وبين السيد نور الدين شرف الدين، وصار هؤلاء الثلاثة بمثابة الأثافي الثلاث في صداقة قل نظيرها في عالم الصفاء، والمحبة، والإخاء، فلا يفصل بعضهم عن بعض فاصل، فإذا وجهت دعوة ما إلى أحدهم فلن تكون هذه الدعوة كاملة تامة ما لم يحضرها العضوان الآخران، لذلك قلما وجد أحدهم في محل لا يوجد الآخران فيه، واتسعت دائرة هذه الصداقة ودخل فيها عدد كبير ممن تلقوا العلم في النجف، ولكن هؤلاء الثلاثة كان لهم لون خاص يميزهم بين الأصدقاء الآخرين فقد كانوا دائرة مستقلة خاصة وسط تلك الدائرة الواسعة العامة.
وكما يفعل طلاب العلم في النجف عندما ينشدون اللهو، والسلوان، فيلجؤون إلى الشعر تقفية ونظماً، فقد كان ديدن هذه الجماعة في وقت الفراغ المساجلة بالشعر، والمناقشة في الشؤون الأدبية، وتقفية الشعر إلى جانب المباحثة في الأحكام الشعرية، لذلك فكّر هؤلاء الأصدقاء بأن يؤسسوا جمعية تحقق لهم اجتماعاً متواصلاً يكون بمثابة الندوة الأدبية العلمية فأسسوا ( جمعية الإرشاد) ببيروت، واستأجروا لها محلاً في وسط المدينة، وأثّثوه تأثيثاً جيداً وزوّدوه بتلفون، وفرّاش، وخصوا جانباً منه بمكتبة تبرع بمعظم كتبها الأعضاء أنفسهم وبعض الوجهاء والأدباء.
وصار هؤلاء الثلاثة: الحسيني والخطيب وشرف الدين، بصورة خاصة أكثر التزاماً بالحضور في هذه الندوة، وكان السيد علي إبراهيم الشاعر المعروف وهو رئيس قلم المحكمة العليا ملازماً لهذه الندوة بل هو الذي يمس: بديوان الشعر ويقرأ إحدى القصائد ليشرع الحاضرون بالتقفية، فإذا ما جاءت القافية عند بعضهم نابية بعض النبو أقام السيد علي إبراهيم الدنيا وأقعدها، وراح يذيع بين الأخوان والأدباء ممن لم يحضر ندوة التقفية نوادر يحيكها نفسه بقصد الدعابة، وينسبها إلى الذي خانته الإصابة في تعيين القافية ويتحمل الجميع مثل هذه الدعابة من السيد علي إبراهيم لما عرف به من ظرف وأدب حتى صار في الغالب بمثابة (الداينمو) عند سرد النكت واختلاق النوادر، ونسبة المختلقات من الأقوال إلى من لم يكن له فيها شأن، ولكنها الفكاهة وهي من بعض ما يحبّب السيد علي إبراهيم لمن يعرفه.
وحين استدعاني عملي وهو الإشراف على طبع موسوعة العتبات المقدسة ببيروت تجددت هذه الصداقات بيني وبين من كنت أعرف من هؤلاء يوم كانوا يطلبون العلم في النجف معرفة إسمية، أم حقيقة ، وأصبحت لي بالسيد حسين الحسيني صداقة أمتن وأوثق مما كانت، واكتشف في الرجل صفات أكثر مما كنت أعرف بكثير من حيث تقواه وطهارة نفسه، وعفته، وأباؤه، ثم أضيف إلى سجل صداقاتي الوثيقة اسمان اعتززت بهما كثيراً وهما العنصران الآخران من المثلث الباهر : الشيخ حسين الخطيب رئيس المحاكم الشرعية العليا والسيد نور الدين شرف الدين، وهذا الصديق الأخير الذي يقرّ في سويداء قلبي اليوم لم يكن معي على حال من حيث المبدأ يوم كنا في النجف فقد كان هو من حزب الحسينيين الذين لم يكونوا يرون بأساً في ضرب الرؤوس بالسيوف وكنت أنا من حزب الأمويين الذين يحرّمون الضرب بالسيوف ولكننا في بيروت أصبحنا من حزب واحد.
وكنت قد عرفت السيد علي إبراهيم مما كان ينشر في العرفان من تراجم لأعلام الشعراء والمغمورين منهم، وزاد إعجابي به يوم عرفته عن كثب وسلمته قياد نفسي عن طيب خاطر.
أمان




