المفتي آية الله السيد حسين الحسيني

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
فدلونا عليه وفي اليوم الثالث بدأنا نعمل، وكانت الأجور مغرية، إذ كانت نصف ربية في اليوم لكل عامل من العمال، والربية يومذاك كان لها شأن كبير في حياة الناس فلم تكن تكلف المعيشة للفرد العراقي الواحد أكثر من خمس الربية وربع الربية إذا ما أراد البذخ والإسراف النسبي.
وكانت الثورة العراقية الكبرى قد انتهت منذ وقت قريب، وقد تم نصب الملك فيصل الأول ملكاً على العراق، وبدأت المفاوضات تجري بين رجال البلد والسلطات الإنكليزية عما يمكن أن يتركه الإنكليز والذي لا يمكن تركه من السلطة والحرية في تكييف الإدارة والحكم، وكان الاتجاه قد بدأ يسير نحو التعمير وقد بدأت العناية تظهر في شؤون الري، والزراعة، وإصلاح الطرق، وإقامة الجسور ولم يكن قد مرت إلا سنة على الثورة العراقية بعد، فكثرت ميادين العمل وصرنا لا نخشى على أنفسنا الجوع ما دام قد أتانا الله قوة تضمن لنا القيام بالعمل وتأديته على وجهه الكامل، وإني لأقسم أني كنت مخلصاً في عملي أينما عملت وكان ابن عمي مخلصاً هو الآخر وكنا نرى العمال كيف كانوا يسرقون من أوقات عملهم وقتاً يقضونه فيما يسمى (بقضاء الحاجة) تارة، وبعمل السيكارة وتدخينها تارة أخرى، وبحجج أخرى ما استعملناها مرة ولا بعض مرة.
وعملنا نحو ثلاثة أسابيع وكنا نود أن نعمل أكثر حتى إذا أردنا السفر إلى كربلاء والنجف كان لدينا ما يسد حاجتنا من الإنفاق ويعيننا على السفر إلى خراسان، لأن الأجور هنا كانت أجوراً مغرية كما قلت، وقد لا نحصل على أمثالها في كربلا والنجف وفي طريق خراسان، ولكن الأعمال الترابية قد توقفت هناك إلى أجل غير معلوم، وحين راجعنا المسؤول قال من المستحسن أن تراجعانا بعد أسبوعين فلعلنا سنشرع من جديد بالعمل، لذلك فضلنا أن نقضي هذين الأسبوعين في زيارة كربلا والنجف ثم نعود إلى العمل ومن هناك نيمّم مرقد الإمام علي بن موسى الرضا بخراسان، على أن نقضي وقتاً أطول في زيارة الإمام الحسين بكربلاء والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النجف عند العودة.
وكنا قد جددنا بعض ملابسنا واشترينا لمتاعنا كيسين كانا أحسن من الكيسين اللذين سلباهما منا قاطعاً الطريق بالقرب من الرمادي كما اشترينا لنا حذائين جديدين حملناهما معنا في الكيسين وبالطريقة نفسها قصدنا مدينة كربلا ماشيين على أقدامنا.
وفي كربلا وأنا أزور ضريح الإمام الحسين (ع) وأخيه العباس كان دعائي لنفسي لم يتغير، فلقد طلبت من الله أن يستجيب دعائي وأنا أدعوه في المقام المقدس ويرزقني الإيمان ويوفقني إلى نيل رضاه وهي نفس الدعوة التي دعوت بها لنفسي في مرقد الإمامين الكاظمين.
وقضينا أسبوعاً في كربلا قطعنا معظمه بالصلاة، وقراءة الأدعية ، والاستماع إلى الوعّاظ، وحضور المآتم الحسينية، ثم قصدنا النجف الأشرف وسلكنا في ذلك طريق (طويريج) وكانت تفصل بين كربلا وطويريج بحيرة يجتازها المسافر بالسفن، ورحنا نمشي من طويريج (الهندية) مع النهر، ونمرّ بالعشائر وكان العمل يجري بحماس في حفر الجدول الأيمن المعروف بجدول (بني حسن) وتطهيره فحدثتنا نفسانا بأن نعمل مع العاملين ولو يوماً واحداً فعملنا أربعة أيام أو خمسة بنفس الأجور التي عملنا بها في الكاظمين، وكنا نخشى من قطاع الطرق فقيل لنا إن ذلك قد ولى مع الزمن فلا يجرأ اليوم أحد أن يسلب أحداً في هذا الطريق، بل وحتى في الطرق الأخرى.
ووصلنا إلى النجف عن طريق الكوفة، وصدف وصولنا في يوم الثلاثاء فقيل لنا إنه يوم مبروك في زيارة مسجد الكوفة، ومسجد السهلة من كل أسبوع، وأن الناس يخرجون في مثل هذا اليوم من مدينة النجف زراقات ووحدانا، ويدعون في هذه المقامات التي حدّدها المرجع الديني الكبير السيد مهدي بحر العلوم بناء على الأخبار والروايات التي تواترت عن فضيلة هذه (المقامات) ، وقد صلّينا في كل مقام ركعتين من الصلاة، وزرنا ضريح مسلم بن عقيل، ونصيره هاني بن عروة، ثم يمّمنا مسجد السهلة، وهناك عملنا نفس العمل في كل مقام من مقامات هذا المسجد، وكان هناك من يطوف بالناس في هذه المقامات، وقد اقتدينا به، وردّدنا مع المردّدين الأدعية الخاصة بكل مقام، وفي مقام الإمام جعفر الصادق قيل لنا إن المستحب هو أن يصلي المصلي هنا ركعتين باسم صلاة (الاستجارة) أي ن يستجير المستجير بهذا المقام إلى الله بأن يحفظه ويحقق له أمنيته، ومرة أخرى لم أجد أمنية أفضل من أن يحقق الله لي الإيمان، ويوفقني لرضاه، وهذا كل مبتغاي من دنياي أمس، واليوم، وغداً.
وبتنا في تلك الليلة بمسجد السهلة مع العشرات من الزائرين إن لم يكن المئات، وفي الصباح غادرنا مسجد السهلة قاصدين النجف، وألفينا عدداً كبيراً يسير مثلنا على الأقدام قافلاً إلى النجف وكانت القبّة الذهبية تلوح لنا من بعيد وكلما وقع نظري عليها ارتفع نظري إلى السماء ودعوت بدعائي المعهود : رب ارزقني الإيمان ووفقني لرضاك بحق هذه البقعة المقدسة.
وعند وصولنا إلى النجف يمّمنا الحرم الشريف رأساً، وفي الضحى توضأنا وتركنا كيسي متاعنا عند الكيشوان، (حافظ الأحذية) في مداخل الحرم وأقبلنا على الضريح متلهفين، وبكيت هناك ما شاء الله ولست أدري كم لبثنا في الحرم ونحن نصلي، وندعو، ولولا الجوع لمكثنا إلى آخر ما يسمح به لنا من البقاء.
وكان ابن عمي يعرف أن البعض من (العاملين) بل إن شخصاً من أهل بعلبك _ وقد أورد اسمه _ ممن يقيمون في النجف كطلاب علم، فراح يسأل ممن كنا نرى من المعممين فدلونا على (مسجد الهندي) وقالوا لنا إن كثيراً من الطلاب يحضرون في الصباح لتلقي علومهم في هذا المسجد وأن علينا أن ننتظر غداً لكي نرى هناك هذا الجمع عسى أن يدلنا البعض على من نريد .
وفي الليل قصدنا مسجد الهندي حين علمنا بأن المبيت فيه جائز لبعض الغرباء، ففضلنا المبيت فيه على الخان الذي أعدّ لنزول الزوار مجاناً، وكم كانت فرحتنا كبيرة حين اهتدينا في الصباح إلى من كنا نريد الوصول إليه ، وقد تعجب هذا من مغامرتنا وكوننا قد قطعنا هذه المسافة الطويلة ماشيين على أقدامنا وأننا مواصلة السفر إلى خراسان على هذه الوتيرة !!
وبواسطة هذا الشخص تعرفنا إلى بعض الطلاب العامليين وكان معظمهم يعرفون أسرتهم بالاسم ، فرحّب الكثير منهم بنا، والبعض منهم دعونا في مدارسهم لتناول الغداء الذي كانوا يعدّونه هم أنفسهم بأنفسهم في غرفهم في المدرسة، وقد حبّب لي زهدهم هذه حياة المدرسة، ولأول مرة أشعر بارتياح لا عهد لي بمثله من قبل وأنا أرى هذا الجمع الذي يسكن هذه الحجرات من هذه المدرسة، بل وجدتني أتمنى أن أكون واحداً من هؤلاء، ثم سألت نفسي من يدريك أن لا يكون هذا هو طريق الإيمان الذي طالما لهج به لساني؟
أمان
No votes yet