المفتي آية الله السيد حسين الحسيني

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend
 
{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلة:11)
 
نبذة تاريخية عن:
مفتي لبنان الجعفري الممتاز
آية الله السيد حسين الحسيني{قدسره}
 
المتولد سنة 1324 هـ ـ 1906 م
المتوفي سنة 1390 ـ 1970 م
 
في أواخر سني العشرينات شبت نار الفتنة وانقسمت طائفة الشيعة إلى قسمين حول شج الرؤوس بالسيوف فمنهم من كان يحرّمها ويحرّم معها الضرب بالسلاسل على الظهور والضرب على الطبول والصنوج في أيام المحرم حزناً على أبي عبد الله الحسين (ع) . ومنهم من كان يبيح للعوام مثل هذا العمل ولا يرى فيه بأساً وقد تبنى فكرة الصرخة بالتحريم المجتهد المصلح السيد محسن الأمين العاملي وهو في الشام، أما الذين ناوؤه أو الذي تحداه بسبب الخصومة الشخصية فقد كان في طليعتهم المجتهد الشهير السيد عبد الحسين شرف الدين بصور، والمجتهد الشيخ عبد الحسين صادق بالنبطية، والحقيقة أن السيد العاملي لم يكن أول من حرّم الضرب بالسيوف أو حلّل ذلك وإنما سبقه علماء قبله ومراجع دينية كبيرة، وكان المرجع الديني الكبير السيد أبو الحسن الأصفهاني في مقدمة أولئك المحرّمين، حتى أورد الجواب على السائل الذي سأله في رسالته الفارسية عما يقول في ضرب الرؤوس بالسيوف، والسلاسل ودق الطبول، والصنوج، وما جرت العادة عليه في محرم الحرام باسم الحزن على الحسين (ع) محرم كلياً وغير شرعي، ولكن هذا التحريم من لدن السيد أبي الحسن ومن لدن غيره في السنين السابقة لم يثر الناس ولم يحدث صدى في النفوس كما حدث يوم دعا السيد محسن الأمين إلى تحريمه ليمنع القائمين به في الشام وفي النبطية من عوام الشيعة.
والتف حول كل واحد من السيد محسن الذي حرّم، وحول السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ عبد الحسين صادق اللذين حللا جماعات بل جماهير من الناس واتصل صدى المعارك الكلامية والدعوات بالعراق وهاجت النجف، وماجت، وهاجت معها المدن الشيعية وماجت، وتناولت الصحف هذه الاختلافات، وكتبت فيها كتب يؤيد بعضها دعوة التحريم، ويفند بعضها هذه الدعوة، وانقسم كبار العلماء بداعي الأغراض الشخصية والأحقاد إلى قسمين وبدأ خطباء المنابر من جانب أهل التحليل يثيرون الجماهير في وجوه أهل التحريم، ولما كانت الأكثرية المطلقة هي من العوام، فقد رجحت كفّتهم على كفّة الداعين بالتحريم حتى ضيّقوا الخناق عليهم، وحتى صار يتخفى الذين لم يجارهم في آرائهم، وقد نعت الذين يسوّغون شجّ الرؤوس بالسيوف أنفسهم : (بالعلويين) ووصفوا معارضيهم الذين كانوا ينادون بتحريم الضرب بالسيوف وما شاكل : (بالأمويين) ولم يبق في الميدان من هؤلاء الذين يعارضون السواد إلا القليل من الجريئين وقد تعرض غير واحد منهم للتنكيل والبطش مما مرّ بعض وصفه وأحواله في الجزء الأول والجزء الثاني من (هكذا عرفتهم) وكان هؤلاء المعارضون للعوام يعرف بعضهم بعضاً فكثيراً ما تضمّهم حلقات الدرس في النجف أو مجلس من مجالس البيوت فيتكاشفون، ويتسارون، ويتناقلون الأخبار التي تصل إليهم من مختلف الجهات فيعرفون من لهم، ومن عليهم، وما مكانة كل واحد من هذه الفتنة ، وكان من أبرز دعاة التحريم بعد طبقة العلماء الكبرى من النجفيين الشيخ محمد الكنجي، الذي سخّر قلمه ولسانه، وكل نشاطه، في شجب الضرب بالسيوف، وقد شجعت جرأته الكثيرين على الالتفاف حوله، أما البارزون من غير النجفيين فقد كان الشيخ محسن شرارة وكان من العناصر المليئة بالإيمان وحرارة الدعوة في تحريم هذه التقاليد وهو رجل لم ينل بعد يومذاك درجة الاجتهاد فالتفت حوله من أهل بلده من العامليين جماعة فيهم الجريء العامل والموالي المؤيد بالعقيدة، وكان من بين أولئك سيّد علوي قصير القامة، بشوش الوجه، لا تكاد تفارق الابتسامة ثغره، وكان يدعى بالسيد حسين البعلبكي، ولما كنت يومذاك من (الامويين) وكانت لي بهذه الجماعات صلات صداقة كان لا بد لي أن أعرف الكثير من هؤلاء فعرفت السيد حسين، وزادت معرفتي به حين علمت بأنه صهر لأخت السيد محسن الأمين صاحب الدعوة الإصلاحية ، ولكن هذه المعرفة لم تزد على تبادل التحية والالتقاء عرضاً في الطريق أو في أحد المجالس العامة أو الخاصة، وعندما أصدرت جريدة الفجر الصادق في النجف وكثر مرتادو مكتب الجريدة وزاروها كان السيد حسين ممن يزورني غبّاً مع زميل له يدعى الشيخ إسماعيل والذي يشغل اليوم مركز العالم الروحاني في جوار حلب، والذي قلما كان يفترق عن السيد حسين في الدرس، وفي زيارة الحرم، وفي دخول المآتم الحسينية ، فهما صنوان لا يفترقان يحبب بعضهما إلى بعض تقارب الآراء، وشظف العيش، فقد كان كلاهما مملقاً، وكان السيد حسين من أكثر من عرفت قناعة وصبراً على المكروه حتى لم أره شاكياً ولا مرة بعد أن اشتدت علاقتي به، وحتى لقد اعتبرت حياته مثلاً للمؤمنين الصابرين الذائبين في الله والراضين بقضائه.
وإن مثل هذه الصور من الناس لتثير في نفسي الفضول بل الإعجاب وتجعل مني جهازاً كل همه أن يلتقط حتى الهمسة من الأصوات بل كثيراً ما ذُبت في الشخص وهو يحدثني عن حياته، واستبقت الحديث وتصورته كما لو كنت أنا الذي يقص القصة، ويتحدث عن نفسه، وفي أحد مجالسنا الخاصة وأنا أسأل السيد حسين البعلبكي قصته وكيفية انتقاله من بعلبك إلى النجف قص علي القصة التالية:
قال ولدت في سنة 1324 هجرية أي ما يساوي سنة 1906 ميلادية بقرية (شمس طار) بلبنان التي نزلتها أسرتنا من آل الحسيني من قديم الزمان وتملكت فيها أراضي وبساتيناً، فهي أسرة كبيرة يرجع نسبها إلى الإمام الحسين (ع) ولما كانت هذه القصبة من توابع بعلبك أطلق عليّ أهل النجف. هذه النسبة وسميت بالبعلبكي.
وكما أصاب الناس بلبنان جميعاً من شظف العيش والقحط بسبب الحرب العظمى الأولى وشتت الناس شذر مذر فقد أصاب بيتنا ما أصاب الناس ولقينا من عنت الزمان أشده وانسدت في وجوهنا جميع الأبواب وكنت يومها شاباً في نحو السادسة عشرة أو السابعة عشرة وكانت الحرب قد وضعت أوزارها ولكن مخلفاتها كانت لم تزل على حالها عدة سنين فنشدت العمل في كل جهة فلم أوفق بسبب ضيق المحيط على أنني قد زاولت تعليم الصبيان بعض الوقت وكنت قد ورثت عن أبوي وعن أهل بيتي الإيمان بالله ورسله وأوليائه، وقد لفتتني عقيدتي بأنه لم يلتجىء أحد إلى الإمام الثامن علي بن موسى الرضا ويتوسل إلى الله به إلا وفرج الله كربه، وكشف عنه غمّه وهمّه، ولكن كيف الوصول إلى خراسان وبين (شمس طار) وبينها نحو ثلاثة آلاف كيلومتر ثم كيف أستطيع أن أدبّر الزاد والراحلة ؟ ثم بمن أستطيع أن أستعين في رفقتي في هذا الطريق وأنا لم أزل شاباً لم يعجم الدهر عودي بعد، فلا أعرف طريق بيروت فكيف أعرف طريق خراسان ؟
أمان
No votes yet