المفتي آية الله السيد حسين الحسيني
***
هذا باختاصر ما قص به علي السيد حسين البعلبكي ، أو السيد حسين الحسيني ذات ليلة ونحن في مجلس سمر، وقد نسيت الشيء الكثير من الحوادث، ونسيت الأسماء التي ذكرها لي، والأشخاص الذين جاء ذكرهم في معرض الحكاية فلم يبق في ذهني إلا القليل القليل الذي أشرت إليه هنا.
وظهرت بوادر هذا الإيمان جلية على السيد حسين فقد انقطع إلى الله وكانت القناعة إحدى ضروب هذا الإيمان فقد عاش على رغيفين من الخبز زمناً طويلاً وطالما أكل الرغيف بدون أن يؤدمه بأدام واذا صادف له ما يستطيع أن يستعين به على تأديم رغيفه فلم يكن يزيد هذا الأدام على حفنة من التمر، وكان الكثير من الطلاب العاملين يمدهم أهلوهم بالحوالات بين آونة وأخرى، بل إن الكثير منهم لا يقدم على السفر من بلاده إلى النجف إلا ويكون أهله قد رتبوا أمره ترتيباً يضمن له البقاء، ومواصلة الدرس، وإن ما يحصل عليه من معونة من العلماء فهو من الأمور التي يكون حكمها حكماً لم يجر في الحسبان، أما السيد حسين فلم يغادر بلده على هذا الأساس لذلك فإن المعوّل في بقائه في النجف كطالب علم عليه وحده وعلى المقدارت.
وفي مدة قليلة عرف السيد حسين بين أوساط الطلاب بالتقوى، ولكنها كانت تقوى بعيدة عن التزمّت ، والحذلقة، وما شابه ذلك مما كان يعرف به الكثيرون من الزهّاد والعبّاد الذين كان من أجلى مظاهرهم العبوس والتجهّم، أما السيد حسين فقلما رآه أحد وهو عابس، وقلما كلّمه شخص ولم يجد الضحكة الحلوة مطبوعة على سحنته كلها وليس على شفتيه وحدهما.
ولست أدري كيف قضى السنين الأولى، والى كم ظلّ على هذه الشاكلة زاهداً ، قانعاً، غير شاكٍ يملأ ملتقيه بشيء كثير من الفرح، والمرح الدال على صفات المؤمن، ويجنب لسانه الذم، والشتم، واللعن، فلا أحسب أحداً قد سمع منه يوماً ذمّاً أو قذعاً، ولا أحسب أن أحداً سمح لنفسه أن يعادي هذا الرجل، أو يأخذ عليه خلّة ممقوتة.
وحين يئس ابن عمه من إعادته إلى لبنان عند رجوعه من خراسان أخبر أهله بأن ابنهم فضّل أن يطلب العلم، ويتفقّه، ويعيش عيشة الضنك على عيشة أهله التي بدأت تتحسن بعد زوال آثار الحرب حتى كادت تصبح طبيعية إذ بدأت الأرض و(الرزقات) كما يسميه اللبنانيون تعطي إنتاجاً جيداً فانتعشت بذلك القرى اللبنانية وفي ضمنها (شمسطار)، وحار أهل السيد حسين في الطريقة التي يوصلون المعونة التي تحصل ممن يعرفون لابنهم في النجف كما يفعل بقية الأهلين مع أبنائهم الذين يطلبون العلم هناك.
وأخيراً رأوا أن يكتبوا إلى الشيخ حسين همدر بأن يبحث لهم عن مقر السيد حسين وعنوانه ويطلبوا منه أن يدفع له مبلغاً معيناً، والشيخ حسين همدر من العلماء الفضلاء سكن النجف كطالب علم، وبلغ مرحلة مرموقة من الفقه إلى جانب ما اتصف به من الورع والتقوى بحيث كان من أشهر شيوخ العامليين ومن أكثرهم جاهاً في النجف، وكان من السهل على الشيخ حسين همدر الاهتداء إلى السيد حسين البعلبكي بسبب كثرة العامليين الذين يزورون الشيخ حسين همدر في بيته، أو الذين يلتقون به في الحرم الشريف وفي المجالس النجفية، لذلك ما كاد يأل عن السيد حسين البعلبكي حتى اهتدى إليه وسرّه أن يسمع عنه كل ما يشرّف الطالب الروحاني من مديح واطرء. وكان أن تعرّف به، وأبلغه رسالة أهله وسلّمه المبلغ المحوّل بواسطته، وأصبح بعد ذلك هو الوسيط في إيصال ما يرسل إليه على سبيل المعونة بين آن وآخر، وعلى مرور الزمن استطاع السيد حسين البعلبكي ان يشغل من محبة الشيخ حسين همدر محلاً، وأن يتملك شيئاً من إعجابه كطالب علم مجدّ في طلبه، وتقيّ متمسك بتقواه، فزوّجه ابنته، وبرهنت بعد ذلك الأيام على أنّه قد وضع الأمر في موضعه وأنه اختار الصهر المناسب من حيث الدماثة واللياقة.
والشيخ حسين همدر هو صهر آل الأمين فقد تزوج بشقيقة المجتهد الكبير السيد محسن الأمين العاملي لذلك ارتبطت عائلة السيد حسين البعلبكي من آل الحسيني بزواجه بعائلة الأمين وآل همدر واتسعت هذه الروابط.
وكانت هذه الروابط بآل الأمين من دواعي انضمام السيد حسين البعلبكي إلى الجماعة التي أيّدت الدعوة الإصلاحية التي قام بها السيد محسن الأمين، الأمر الذي جعل روابط المعرفة بيني وبين السيد حسين البعلبكي تشتد وتتوثق، ومع ذلك فلم تكن تلك الروابط بالشدة التي كانت بيني وبين الآخرين من العامليين أمثال الشيخ محسن شرارة أو حسين مروة.
أمان




