المفتي آية الله السيد حسين الحسيني

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
ولكن أين لي مثل هذا التوفيق لأجد نفسي ذات يوم ضمن هؤلاء الطلاب أحمل كتابي في يميني كل يوم، وأقصد الحرم في أوقات الصلاة، وأعدّ لنفسي الطعام بهذه البساطة التي يعدّ فيها طلاب المدارس طعامهم؟
ومكثنا في النجف أياماً ربما بلغت أسبوعين وقال لي ابن عمي إن علينا أن نقصد بغداد لكي نجدد العمل في أطراف الكاظمين إذا وجدنا العمل قد بدأ من جديد لكي نجمع مبلغاً آخر نستعين به على السفر إلى (خراسان) وقد رأينا من الصلاح أن يسافر هو ويتركني هنا في النجف حتى إذا اطمأن من عمله أوصى لي بواسطة هذه المدرسة والطالب العاملي باللحاق به وإلا عاد ليقضي معي أياماً أخر في النجف ثم نغادرها إلى خراسان.
وسافر ابن عمي وصارت ملازمتي للطلاب العامليين أكثر من ذي قبل فلم أكن أفارقهم إلا ليلاً ملتجئاً إلى مسجد الهندي الذي زاد اهتمام الخادم المتوكل به بي بسبب الوصية التي تلقاها من الطلاب العامليين بشأني.
وسألت نفسي ذات ليلة: لم لا أحاول البقاء هنا في النجف لتلقّي العلم وأترك زيارة الإمام الرضا (ع) إلى وقت آخر ؟ فقد بدأت أعتقد أن هذا هو الإيمان المنشود، وأن في هذا رضا الله تعالى،ولو لم يكن ذلك هو لما جاء إلى النجف الآلاف من طلاب العلم من أقصى البلاد إلى أقصاها، وصممت على أن أذاكر الشيخ العاملي الذي برّ بنا والذي اتخذناه ملجأً لنا وعنوان الوصول إلينا.
وفي الصباح كانت موجة من الآمال تغمرني فلا أكاد أستقر على حال من الفرح وأنا بعد لم أر الرجل ولم أكلمه ولم أعرف رأيه.
والتقيته ظهر ذلك اليوم في المدرسة وعرضت عليه رغبتي فبشّ في وجهي وتلقّاني بفرحة كبيرة، وقال لي إنه ليس أسعد منه حظاً أن يكون هو السبب في إدخال شخص علويّ مثالي في زمرة طلاب الدين الذين ربما انتفع بهم الناس حين يصبحون مرشدين ودعاة إصلاح وقدوة خير.
قلت ولكني لا أملك من دنياي إلا بضع (ربيّات) فكيف لها أن تضمن لي العيش ولو بشظف وتقتير؟
قال: ليس هنالك من بأس، فأنا أستطيع بواسطة أستاذي التوسط لدى أحد المراجع الدينية وهو المرجع الروحاني الكبير الشيخ أحمد كاشف الغطاء بأن يخصص لك في اليوم بعض الأرغفة من الخبز تتسلمها كل يوم من الخباز على حسابه كما يفعل طلاب العلم الذين لا مورد لهم ولا معين.
ولا تسل عن فرحتي فكأنك قد أعطيتني الدنيا بجميع خيراتها . وأصبحت منذ ذلك اليوم طالب علم ولكني لم أجد بعد ملجأ آخر آوي إليه ليلاً غير مسجد الهندي.
وأرسل ابن عمي من الكاظمين يدعوني إليه . ويخبرني بأن العمل وافر هنا. وأنّه قد بدأ العمل . وينتظر مجيئي . وحرت كيف أستطيع الرد على وصيته واعتذاري من الرواح. ثم تلقيت وصية أخرى منه يستعجلني فيها على اللحاق به ولكن لا طريق للرد عليه .
وبعد أيام وفّق الشيخ العاملي للحصول على نصف وقيّة من الخبز أي ما يعادل رغيفين يدفعهما لي خباز معيّن في كل يوم ويقطّ ذلك قطّة على عود من الصفصاف تجمع بعد ذلك عدد القطّات فيعرف منه كم وقيّة كان قد دفع لي في كل شهر. ثم وجد لي غرفة صغيرة في مدرسة المشراق كان قد تركها ساكنوها للخطر المحدق بها من كثرة الفطور البادية على سقفها وجدرانها وما يتساقط منها بين حين وآخر من التراب والحجارة، وقال لي إنه مسكن مؤقت وسنسعى لتبديله في أول فرصة ونحصل لك على حجرة جيدة في هذه المدرسة نفسها أو في مدرسة أخرى.
وأقبلت على الدرس بشوق كثير، وأحسست أنني أدنو إلى الإيمان المنشود، وأنني أحقق بعملي هذا شيئاً من رضا الله تبارك وتعالى، وحين يئس مني ابن عمي ترك العمل في الكاظمين وجاء يستفسر عن حالي في النجف وهو في أشد ما يكون من القلق علي، فألفاني وقد تغيّرت بزّتي، فها أنا ذا أعتمر عمامة سوداء وأقبع بعباءة، وأتمنطق بحزام من القماش، فدهش وتعجب، وعرض عليّ السفر فرفضت، وقلت له إنني صممت على أن لا أخرج من النجف إلا وقد أشبعت رغبتي من الدرس والعبادة، فقال لي ولكن من أين ستعيش ؟ قلت: إن الله الذي يرزق النملة بل وأدق من النملة لا يعجز أن يرزق إنساناً له عينان ويدان، ورجلان، وعقل ولسان، فانصرف ابن عمي إلى خراسان وبقيت أنا أدرس العلم في النجف !!
وحين عاد ابن عمي من خراسان عرض عليّ العود إلى بلادنا إلى (شمسطار) فأبيت، وكنت أشد عزماً في البقاء، وقال لي : وبما أجيب أهلك وقد كنت أنا الضامن بأن أعيدك أليهم ؟
أمان
No votes yet