المفتي آية الله السيد حسين الحسيني

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
وفي هذا المكان أدرك ابن عمي بحكمته أننا غير قادرين على المقاومة لو أردنا الامتناع عن الاستسلام فاستسلمنا لهما ـ وكانا غير منصفين لأنهما لم يكتفيا بما كنا قد ادخرنا من نقود بل سلبوا ما علينا من ملابس ولم يتركوا لنا غير الملابس الداخلية.
وحين وصلنا (الرمادي) وعرف قصتنا البعض دعانا شخص إلى بيته وقدم لنا عشاء ثم قدم لنا ألبسة اعتذر ابن عمي عن قبولها وقال له إننا علويّان وإن هذه الألبسة بمثابة الصدقة، والصدقة محرّمة على ذريّة الرسول ، قال الرجل ولكن كيف تستطيعان الحصول على الألبسة قلنا له سنشتغل، وإن له الفضل الكبير إذا دلّنا على محل يقبل منا أن نعمل ما نستطيع أن نعمل ولو بأجور أقل مما هو مفروض، أما الطعام والمبيت فهو عادة مألوفة في الضيافة العربية لذلك لا يمكن عدها من الصدقات.
وقد كان الرجل كريماً معنا فأخذنا في اليوم التالي إلى النهر وهناك بدأنا ننقل أكياس الرز وقواصر التمر في السفن إلى البر، وفي الليل لم نأو إلى دار الرجل وإنما بتنا في نفس المحل الذي كنا ننقل إليه الحبوب وهو خان كبير ومخزن ينقل منه بعد ذلك مخزونه إلى السوق والى الضياع المجاورة، والى داخل الصحراء.
ومن حسن الحظ أن السفينة ما كادت تفرغ حتى وافت سفينة ثانية وثالثة كانت محملة بنوع من الرز الذي يبتاعه عرب البادية فحصلنا على أجور كانت كافية لأن نجدد بها ملبوسنا، وكم سررنا بكوننا استطعنا أن نحصل على ألبسة جديدة من كدّنا ووفّرنا بعض النقود.
وكانت الطائفية يومذاك قد بلغت أوجها وكان كره طائفة لأخرى من السنة والشيعة من الأُمور الشايعة المألوفة فكنا نسعى أن نخفى مذهبنا في الطريق فنصلي مكتوفي الأيدي، ويبدو لي أن الرجل الذي برّ بنا في الرمادي وأضافنا في بيته قد عرف مذهبنا مذ رأى امتناعنا عن قبول الملابس باعتبارها صدقة، ولم تستطع صلاتنا على طريقة إخواننا السنة ان تغير رأيه فينا ومع ذلك فقد عاملنا معاملة الكرام الطيبين.
ووصلنا (الكاظمين) ونزلنا في خان كان ينزل فيه الزوار مجاناً، ولم نكد نصل حتى توضأنا وقصدنا الحرم الشريف مدفن الإمام موسى الكاظم والإمام محمد الجواد، وأقرأني ابن عمي البيتين التاليين:
لُذْ إن دهتك الرزايا والدهُر عيشك نكّدْ
بكاظم الغيظ موسى وبالجواد محمّد
وقال لي: هذا باب الحوائج ما قصده زائر بحاجة إلا وقضاها له، فاطلب عند دخولنا إلى الحرم حاجتك فلا شك أنها مقضية .
ودخلنا الحرم، ودنوت من شبّاك الضريح تذكرت غربتي، ومسكنتي، فبكيت وظللت أبكي حتى علا نحيبي وحتى دنا مني قريبي يجفف دمعتي، ويهدّأ روعي، وكل ما دعوت به في هذا المقام الشريف هو أن يرزقني الله الإيمان ويوفقني لرضاه، وهكذا كل ما احتفظت به ذاكرتي من هذه الرحلة، وخرجت من الحرم وأنا أشعر بما يشعر به الظامئ العطشان الذي لجّ به العطش في بحبوحة الصيف وقد بلغ رأس العين في بعلبك فعبّ من ذلك الماء البارد دلواً وأكثر حتى ارتوى، وحتى أحس ببرد الماء وقد أثلج له صدره.
وفي اليوم الثاني بدأنا نبحث عن عمل، فقيل لنا إن هناك وعلى بعد قليل من الكاظمين أعمالاً ترابية تستوعب عدداً كبيراً من العمال، وسألنا عمن يجب الرجوع إليه لكي نعمل مع العاملين؟
أمان
No votes yet