المفتي آية الله السيد حسين الحسيني
كيف الوصول إلى سعاد ودونها قمم الجبال ودونهن حتوف
وحين علمت الشعر وجدت أن هذا الشاعر إنما أرادني أنا بهذا البيت يوم كنت أفكر في زيارة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) بخراسان .
وبدأت أعلن رغبتي لأقربائي ولأصدقائي وأصور لهم شدة شوقي لتحقيق هذه الرغبة فيضحكون مني وقد يتخذون مني وهزواً.
وذات يوم جاءني ابن عم لي يكبرني ببضع سنين، وكان قوي البنية، مفتول الساعد، وقد برم هو الآخر من تلك الحياة الضنكة الضيقة وسألني:
هل لا تزال بتلك الرغبة العارمة في زيارة الإمام الرضا والدعاء عنده ؟
قلت : كل الرغبة..
قال: منذ أيام وأنا أفكر نفس فكرتك وقد صممت على تنفيذ هذه الفكرة طلباً للاستثابة.
قلت: ولكن كيف يتم لنا تحقيق هذه الرغبة ؟ ونحن لا وسيلة لنا ولا مال يوصلنا؟
قال: نقطع الطريق ماشيين على أقدامنا بين قرية وأخرى ، فإذا جنّ الليل استضفنا وجوه القرية ولا أظنهم سيبخلون علينا برغيف خبز ومساحة مترين مربعين من الأرض ننام فيها، وهكذا حتى نصل إلى العراق ثم نغادره إلى خراسان فماذا تقول ؟
قلت: إنه والله الفرج، ولكن من يقنع أهلي وأعمامي بالموافقة على هذه الرحلة.
قال : أنا …
وكان كما قال: … بعد أن جرت مناقشات ومذاكرات طويلة تعهّد فيها ابن عمي بأن يكتب لأهلي من كل مدينة كتاباً وأن يأتي بي إليهم سالماً معافى كما أخذني إن شاء الله .
وكان ابن عمي هذا ورعاً تقياً منذ صغره ولم يكن وحده على هذه الوتيرة فقد كان هناك الكثير من أسرتنا قد شبوا وملء نفوسهم الإيمان ، ولا تسل عن فرحتنا ونحن نغادر (شمسطار) ميممين أضرحة الأئمة الأطهار، وأذكر أننا زوّدنا ببعض الزاد، وفي تلك الأيام كان للريال الفرنسي أهمية كبرى بين النقود، وكان المجيدي والريال النمسوي، بدأ ينحط قدرهما، ولم يبق في السوق من العملة الرائجة في كل مكان غير الليرة العثمانية والعملات الذهبية.
وكان أن حصلت على ريالين فرنسيين هما كل ما استطاع أهلي أن يزودوني به إضافة إلى بعض الأرغفة من خبز (المرقوق)، ولم أدر كم كان يحمل ابن عمي من النقود ولكني أعلم علم اليقين بأن حاله لم تكن أحسن من حالي، وحين خرجنا من البلد قال ابن عمي إقرأ الفاتحة لأرواح المؤمنين والمؤمنات فإن في مثل هذا تيسيراً كبيراً لسفرتنا.
وكنا جد فرحين، وقد لقينا الشيء الكثير من اليسر في طريقنا إلى حلب لكثرة ما وجدنا من القرى التي استضفناها، ولم يكن حال القرى يومذاك بأحسن من حال (شمسطار) فقد كان الجميع في عوز، فاقة، وقلّة مؤون، ولكن الطبيعة التي جبل عليها سكان القرى كانت تحملهم على إيثار الضيوف على أنفسهم .
وكلما كنا نوغل في الطريق كان شوقنا إلى زيارة العتبات يزداد شيئاً بعد شيء، ومع ذلك فلم يحل هذا الشوق بيني وبين ذكري (لشمسطار) وأهل بيتي، ولقد مرت ذكراهم ذات ليلة على خاطري في الحلم، وحين أفقت بكيت، وكتمت بكائي عن ابن عمي، وظللت حتى الصباح وأنا أبكي.
ولا يبعد أن يكون ابن عمي على هذه الشاكلة من العاطفة، ولكنه كان جلداً وكان يتغلب على عاطفته بالصلاة، فقد كان كثير الصلاة، وكثير الدعاء، وكان يحثني على صلاة النوافل وهو الذي علمني دعاء الصباح أقرؤه بعد صلاة الصبح من كل يوم.
ولم يكن ابن عمي محيطاً بخصائص الدين أو ملماً بالشريعة، وإنما كان يدرك بعض المزايا من طريق قراءته القرآن الكريم وكتب الأدعية، وقصص الأنبياء وما كان يسمعه من الخطباء والوعاظ وكنت أنا الآخر في مثل هذا الحال، ولكني كنت دونه بالنظر لصغر سني في مثل هذه الإحاطة اليسيرة المتواضعة.
وكان لابن عمي إلى جانب ميزة إيمانه ميزة فتوته وقوته الجسدية لذلك كان من أنشط الفلاحين في زراعة الحقل، وتشذيب الأشجار والتحطيب.
وقد بانت قوته هذه ونحن في طريق العراق حين غادرنا (البوكمال) على الفرات وقد التقانا رجل مسلّح ونحن نقطع جانباً من مفازة، فاستوقفنا وأمرنا بأن نفرغ له جيوبنا مما كان فيها من النقود وكان قد حصلنا على شيء من هذه النقود عن طريق اشتغالنا كعمال بناء في (دير الزور) فقد وجدنا هناك ضاحية أكرمنا أهلها بالمبيت في بيت الضيافة وتقديم العشاء لنا، فكنا نعمل في النهار في البناء ونعود ليلاً إليهم لنتعشى ونبيت، وقد جمعنا من هذا ا لطريق طريق العمل في البناء ونقل الحجر وحمل الجص بعض النقود احتفظنا بها لوقت الحاجة ولم نمكث بدير الزور كثيراً لأننا لم نستسغ طول الإقامة في بيت الضيافة عند هؤلاء الأكارم.
أقول ـ يقول الحسيني ـ لقد بانت قوة ابن عمي هذا حين طلب منا قاطع الطريق وهو يهددنا بخنجره أن نفرغ له ما بجيوبنا إذا أردنا السلامة إذ انكب عليه، وبسرعة لم أعرف لها نظيراً ألقاه أرضاً وأخذ منه الخنجر ورماه بعيداً، كذلك انتزع منه الغدارة وألقى بها بعيداً ثم ناداني بأن أحلّ من وسط هذا اللص حزامه، وكان حزاماً محاكاً من الصوف لا أزال أتصوره حتى اليوم فحللت الحزام في حين كان ابن عمي ضيّق عليه الخناق وراح بمعونتي له يشدّ وثاقه ويربط يديه إلى الخلف، وقام عنه وهو يقول له "أنت ونصيبك" فإن مرّ عليك ابن حلال حلّ وثاقك وناولك سلاحك، وإن مرّ عليك ابن حرام مثلك سرق سلاحك وتركك حيث أنت" ثم قال لي ابن عمي : إن علينا أن نعدو جهدنا لئلا يعثر علينا أحد من رفاق الرجل وأرحامه.
وهكذا فعلنا، ومع ذلك فلم ننجُ في وقعة أخرى من السلب، فقد داهمنا رجلان مسلحان ونحن بالقرب من مدينة الرمادي والشمس مالت نحو الغروب، وكان بيننا وبين الرمادي مسافة يجب أن نقطعها قبل غياب الشمس .
أمان




