المفتي آية الله السيد حسين الحسيني

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
قال : أنا الذي لا يستقر في صدري سرّ.
وكانت مجالسنا في هذه المرة سواء في بيت السيد الحسيني أو بيت الشيخ حسين الخطيب مفتقرة إلى ذلك العنصر القديم الذي كان يجمع بين أضلاع ذلك المثلث ويؤلف منه تلك الروحانية التي تغمر النفس وتملؤها محبة،وكانت هناك داع تحول بيني وبين السعي لإزالة سوء التفهم ليس هذا محل ذكرها فتركت الحبل على الغارب ورحت أنعم بصحبة كل صديق على انفراد آسفاً، وكلمني غير واحد بما يترتب عليّ من واجب السعي في إعادة المياه إلى مجاريها فكنت أعتذر لأن الدواعي التي كانت تحول بيني وبين هذا المسعى دواع خاصة، ويجب أن تظل مكتومة في الصدر لمدة معينة فضلاً عن أن مثل هذا المسعى لم يكن ليخلو من صعوبة كبرى حتى لواحد مثلي يحب هذه الأطراف جميعاً وتحبه هذه الأطراف جميعاً.
وحين تركت لبنان عائداً إلى بغداد كان في نفسي أمل قوي بأني سأقوى على رد هذه المجموعة إلى عالمها الأول ونسيان الماضي إن عدت إلى لبنان ولم أدر إن هذا الاختلاف سيصحب هذه الأطراف إلى نهاية العمر.
وحين وصلت المطار لأستقل الطائرة عائداً كان السيد حسين الحسيني ضمن الأصدقاء المودعين فأمسك بيدي وأدنى فمه من كل أذن من أذنّي وقرأ فيهما الآية الكريمة التي تقرأ في أذن المسافر عادة ليعيده الله سالماً مرة أخرى وهي (إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد…) فترقرقت الدمعة في عيني ولكني لم أدع أحداً يراها.
وتركت السيد حسين الحسيني كأحسن ما كنت أتركه في كل مرة صحة ، وعافية، ومن بغداد كتبت له شاكراً محبته وما غمرني به من عواطف أضعاف ما كان يفعل في المرات السابقة إذ كثيراً ما كان يقلّني بسيارت ويذهب بي متنزهاً خارج بيوت، ويدعوني على مائدته ويستبقني في بيته فيعقد لي مجلساً من الأصدقاء كان السيد محمد الحسن والسيد عبد الرؤوف الأمين في طليعة حضاره، وكثيراً ما كان يخرجني من الأوتيل باسم تناول الشاي عند احد الأصدقاء .
قلت إني كتبت له حين عودتي رسالة مسهبة ومرت أيام طويلة فلم يجبني عليها وحين تجاوز انتظاري الحدود المألوفة بعثت إليه برسالة ثانية وكتبت إلى بعض الأصدقاء أسألهم عنه، وكم أسفت حين علمت بأنه شكا بعد سفري من أوجاع في المعدة ما لبثت أن اشتدت عليه، حتى تحتم أن تجري له عملية في المستشفى وبلغ الخبر صهره الشيخ محمد جواد شرّي بمشيغن، والشيخ محمد جواد زعيم روحاني له الفضل الكبير على المسلمين في مشيغن حين جمع كلمتهم وبنى لهم جامعاً كبيراً يعدّ اليوم من أكبر جوامع المسلمين خارج الأقطار الإسلامية ، وأقام لهم دار تطبيب تقوم بإسعافاتهم، ومدرسة، وقاعة محاضرات، وصار يحاضر الجموع باللغة الإنكليزية في كل يوم أحد بالإضافة إلى أيام الجمعة، فانجذبت إليه طوائف عديدة، وألّف في الإسلام، وشريعته، وفلسفته، كتاباً باللغة الإنكليزية كان له أثر كبير في تعريف الإسلام لغير المسلمين .
أقول لقد بلغ الشيخ محمد جواد شرّي خبر محاولة السيد حسين دخول المستشفى، فرجّح له السفر إلى (مشيغن) وإجراء العملية هناك على ايدي أطباء مهرة، وهناك في مشيغن أجريت له عملية كشف للتحقيق، فثبت أنه مصاب بالسرطان وبنوع الخبيث منه، فأعيد إلى لبنان بناء على نصيحة الطبيب الذي أعلمهم بيأسه من شفائه.
وكانت تصل أخباره إلي بصورة متواصلة فيشتد قلقي عليه فلم أدر كيف أطرد شبح موته وهو لم يمت بعد من عيني، ولكم سعيت أن أكل الأمر إلى القضاء ، وأستسلم لمشيئة الله فأخفقت، وكان خبر اليأس من شفائه قد عمّ جميع الجهات وتذكر هنا الشيخ حسين الخطيب والسيد نور الدين شرف الدين عهد تلك الصداقة والمحبة فخفّا لزيارته عائدين وقيل لي إن الشيخ حسين الخطيب حين خرج منه بكى، ومن الحق أن يبكي فقد تذكر في تلك الساعة إن ما كان قد وقع لم يكن يستحق مثل هذا الجفاء الذي ساد أولئك الأصدقاء، ولكن من كان يدري بأن شبح الموت يستطيع أن يمحو من ذهن الإنسان أشياء وأشياء.
ومات السيد حسين الحسيني وارتفع نعشه فوق الرؤوس ومشى خلف جنازته مندوب رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والوزراء، والنواب، وجميع الشخصيات اللبنانية، من علماء، وساسة، ووجهاء، وكان ذلك في يوم 8 / 10 / 1970 م ونعته أمهات الصحف اللبنانية ودار الإذاعة، وأنا الوحيد الذي لم أعرف عن ذلك شيئاً حتى وافاني كتاب المجاهد الكبير الأستاذ محمد علي الطاهر وفي كتابه قصاصات من الصحف اللبنانية التي نعته وقد لمت في كتاب الطاهر دموعه التي ذرفها على جسد الفقيد الطاهر.
صحيح أنني كنت أنتظر هذه الفاجعة ساعة بعد ساعة، وصحيح أن الذهن إذ ما استعد للكارثة قبل وقوعها يكون أكثر تقبلاً واستسلاماً لقضاء الله، ولكن كل هذا كان معدوم الأثر عندي، فقد تلقيت الخبر كما لو كنت غير مسبوق بأي إنذار سابق للموت، وصعدت إلى غرفة نومي وأغلقت الباب على نفسي وبكيت ما شاء الله أن أبكي وتذكرت الآية الكريمة التي قرأها في أذني يوم ودعني في المطار : (إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد).
وتصورتني راجعاً ذات يوم إلى بيروت وطائفاً بدار الإفتاء ودائراً حول ذلك البيت الذي كان يزهو به وأنا أبحث عن هذا الصديق فلا أجده، وتصورتني أسال عن قبره فيدلني عليه الدالون فأقصده لأقول له إنني جئت، كما كنت تتمنى أن أجيء ولكن قل لي أين أجدك أيها الصديق الطاهر؟
أمان
No votes yet