المفتي آية الله السيد حسين الحسيني

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
فقال: ربما ولكن إيماني ببركة هذا السيد وقدسيته هو الذي يبعث في نفسي اليقين بصدق استخارته !!
***
مرت علي بضع سنين وأنا ناعم بهذه الصداقة مع هذه الزمرة في الصيف بلبنان، وناعم برسائلهم في الفصول الأخرى بالعراق، حتى جاءت سنة 1969 م وهي السنة التي كسب فيها قيام المجلس الشيعي الأعلى بلبنان صفته الشرعية، وتوجه الرأي العام إلى انتخاب الإمام السيد موسى الصدر رئيساً للمجلس، فانشق هذا المثلث وحاشيته على نفسه، وجاءت الساعة التي تذرّ هذه الصداقة التي كان يحسدهم عليها الناس في الهواء كما لو كانت هذه الصداقة تبناً أو قشاً فقد انفرد الشيخ حسين الخطيب والسيد نور الدين شرف الدين وبعض الأتباع بالمعارضة، وانضم السيد حسين إلى الرأي العام الذي كان يرشّح الإمام الصدر للرياسة، وشق على الصديقين المذكورين مثل هذا الانشقاق ولكن السيد كان مؤمناً بصحة رأيه ومعتقداً بأن يستجيب لداعي إيمانه وأن قعوده عن التأييد سيكون مصداقاً للقول المأثور: (الساكت عن الحق شيطان أخرس) وهذا ما قاله لي بالنص، لذلك لم يكتف بالتأييد، بل عقد مجلس الانتخاب في بيته، وفي هذا البيت تم انتخاب الإمام الصدر للرياسة، وتفصّمت عروة تلك الصداقة الزاهية، التي كانت مضرباً للأمثال، وتباعدت النفوس، فلم تعد تلتقي إلا لماماً، وفي مناسبات اضطرارية.
وكانت تشدّني الصداقة الروحية إلى زمرة أخرى بلبنان كانت تؤيد السيد حسين الحسيني في موقفه كان من بينه الشاعر السيد عبد الرؤوف الأمين المعروف (بفتى الجبل) وكان السيد محمد الحسن يوسف المستشار القضائي السابق، أما فتى الجبل فقد كنت أعرفه من النجف أيام انتدب ليدرّس اللغة العربية في ثانوية النجف، وهو شاعر مبدع، أبي النفس، حلو السجايا، ومن آل الأمين المعروفين، وأما السيد محمد الحسن فقد كنت أعرفه على البعد حتى إذا جئت بيروت تم بيني وبينه التعارف ثم جرّ إلى الصداقة وتوثقت هذه الصداقة فنعمت بصحبته كما نعمت بصحبة (فتى الجبل) بالنظر لفضلهما وأدبهما وما عرفا به من غيرة، وحماس، وكنت كثيراً ما أقضي شطراً من أوقاتي مدعواً على مائدتيهما، أو مجتمعاً بهما في (جمعية الهداية والإرشاد) أو ناعماً بزيارتهما لي بسوق الغرب، مع السيد حسين الحسيني أو بدونه، وكنت أحس بأنهما ليسا على وفاق تام مع ذلك المثلث باستثناء السيد حسين، ولما حصل الاختلاف في انتخاب (المجلس الشيعي الأعلى بلبنان) ظهر عدم الوفاق هذا بصورة تذمّر، ونقد، واستهجان، حتى تجاوز المجالس الخاصة إلى المجالس العامة.
وكان السيد محمد الحسن والسيد عبد الرؤوف الأمين هما الآخران لم ينقطعا عن مراسلتي وأنا غائب عن لبنان، وكانا ينقلان لي الشيء الكثير مما حدث ويحدث بسبب هذا الاختلاف، كما أن السيد علي إبراهيم لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وكان ينقلها لي في رسائله، أما رسائل الشيخ حسين الخطيب والسيد نور الدين شرف الدين والسيد حسين الحسيني، هذا المثلث الذي تصدّع وصار شذر مذر في عالم الصداقة فلم تزد رسائلهم على إشارات عابرة خفيفة لا يتجاوز مؤداها العتب والأسف لما حدث بينهم.
ولم يكن هناك من يستطيع أن يعيد المياه إلى مجاريها لأن سوء التفاهم قد تفاقم وآل إلى شيء يقارب الاستحالة في عودة الصفاء، وكنت أنا ممن يؤاخذ على سكوته لأنني كنت صديق جميع الأطراف وإن اختلفت مع البعض في الرأي ولكن اختلاف رأيي هذا لا يتجاوز حدود قول أحمد شوقي:
"واختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية".
فأنا أحب جميع هؤلاء الأطراف ولا يمس محبّتي كوني أختلف مع بعضهم اختلافاً جوهرياً فيما يذهبون إليه ، وليس في ذلك من عجب ما دام هناك من السور والآيات القرآنية التي تعد مثل هذا أمراً مألوفاً وطبيعياً:
(قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم لكم دينكم ولي دين).
فكيف وليس بين هؤلاء الأصدقاء من يجوز لنا نعته بالكفر؟
وتلقيت على إثر هذه الخصومة التي وقعت بين الأصدقاء من السيد عبد الرؤوف الأمين قصيدة رداً على رسالة اعتذار وجهتها إليه بسبب فقدان رسالة سابقة ابردتها إليه فضاعت في البريد، وفي هذه القصيدة ينعى فتى الجبل تلك الصداقة المشرقة التي كانت تجمع بين السيد حسين الحسيني، والشيخ حسين الخطيب، والسيد نور الدين شرف الدين ويقول:
أبا (هاتف) وافى كتابك حاملاً إليّ اعتذاراً عن ضياع الرسائل
وأن الذي بيني وبينك عامر وإن زال (صنّين) فليس بزائل
ومن عادتي أن لا أخادع صاحبي وأن لا أدانيه دنوّ المجامل
وإن وفائي لا تصنّع عنده وفاء امرئ يصبو لكسب الفضائل
(أبا هاتف) لا تبعدنّ فإنني أحن إلى لقيا الأديب المناضل
أحنّ إلى (وادي الفرات) وأهله حنيني ـ لما كنت فيه ـ (لعامل)
إلى (النجف الأعلى) إلى المرقد الذي حوى من حمّى الإسلام من كيد جاهل
إلى أمسيات عذبة ذكرياتها إلى مجلس في الشعر والأنس حافل
إلى (ندوة) قد كنت أنت عميدها تقول فلا تبقي مجالاً لقائل
***
أبا هاتف إن الذي عهدتهم هنا عصفت فيهم رياح المشاكل
تشتت ذلك الشمل بعدك وانتهى إلى حالة لم يرضها أي عاقل
فعجّل عسى أن يجمع الله شملهم فتبعدهم عن شر تلك الغوائل
والسيد عبد الرؤوف شاعر من ألمع شعراء العربية، له قصائد عامرة لا يستطيع تاريخ الشعر اللبناني ولا تاريخ الوطنية العربية الصادقة أن يغفل ذكرها والإشارة إلى مواطن البراعة في نسجها، وكان آخر ما نظم قصيدة في ذكرى بشارة الخوري (الأخطل الصغير) كانت من أبرع ما أنشد من الشعر في تلك الحلبة، وكان يمنّي نفسه بأن يحيلها على التقاعد ويستعفي من وظيفته كمفتش عام لوزارة الشؤون الاجتماعية بلبنان وينصرف إلى بحثه وتأليفه في مزرعته الخاصة في (الصوّانة) التي استضافني فيها ودلّني على مواطن اللذائذ الروحية حين يركن الشاعر إلى أفيائها، وقال لي إنه يفكّر في جمع شعره في ديوان ربما بلغ جزئين أو ثلاثة وطلب مني أن أكتب له المقدمة في هذا الصيف وكان يعني به صيف 1970 م فتشرفت بقبول هذه الدعوة ولكنه توفي ولم يحقق بعد هذه الأمنية وكانت وفاته لي كارثة روحية لم تزل تعذبني ذكراها حتى هذه الساعة التي أكتب بها هذه الكلمات.
وحين أرسل لي فتى الجبل القصيدة المتقدمة التي يشكو فيها هبوب تلك العاصفة التي فرقت بين الأصدقاء الثلاثة وحواشيهم كان الصديق السيد محمد الحسن قد قرأها واستوعب شكواها فبعث لي هو الآخر بهذه القصيدة يقول فيها:
أبا هاتف هذا (أبو زيد) يشتكي إليك شجوناً من رجال (بعامل)
حسبناهم درعاً لكل ملمّة وللرشد والإصلاح بين القبائل
ولكنهم قد أشعلوا النار بينهم وما سلموا من قول لاح وعاذل
طغى الحقد واستشرى فلم يبق مبصر فوا أسفي قد دُكّ صرح الفضائل
نصحناهم كي ينبذوا الحقد جانباً فما ذاك من شأن الكرام الأفاضل
وليس جميلاً أن يسيروا بخطة يسير عليها كل غرّ وجاهل
ولكنهم ظنوا بنا السوء والهوى وصرنا لديهم كالعدو المقاتل
ويشهد ربي قد أردت صلاحهم وإبعادهم عن كل خبِّ مخاتل
صحبتهم عمراً طويلاً وما دروا
أمان
No votes yet